محمد بن عبد الله الصفار
83
رحلة الصفار إلى فرنسا
تتميز به هذه الأخيرة من رتابة وما هو مثير للإعجاب . وبالفعل ، فإن مجرد التعاقب الحاصل بين حالتي العادي والخارق للعادة ، قد يصبح مقياسا لمرور الزمن ذاته . وقال نيلسون كرابورن ( Nelson Graburn ) في هذا الصدد ، بأن التعاقبات المتباينة بين ما هو قدسي ودنيوي ، هي إحدى السبل التي نسلكها لعد مراحل حياتنا وقياسها . إن السفر يساعدنا على تحديد الزمن بالنسبة لأنفسنا ، وذلك بتقسيم الحياة إلى أجزاء منفصلة ومطبوعة بما يمكن تسميته طقوس المغادرة والعودة « 1 » . إن هذين الحدثين ، أي مرحلة الذهاب أو المغادرة التي غالبا ما تتسم بكونها مؤلمة وموجعة ، ومرحلة العودة المليئة عكس ذلك بالفرح والانشراح ، هما اللذان يحتل السفر موقعا وسطا فيما بينهما ، ويسموان به إلى مستوى الشيء غير العادي . ويؤكد فوسيل على تلك البنية « الثلاثية » التي يتميز بها السرد الروائي للرحلة ؛ إذ يقوم الشخص المركزي ، كما هو حال البطل الرومانسي ، بمغادرة الأشياء المألوفة لديه ويرمي بنفسه نحو المجهول : « أولا ، بداية الرحلة بالانفصال عن المألوف ؛ وثانيا ، محاولات التأقلم والشروع في خوض المغامرة ؛ وثالثا ، عودة البطل واندماجه مجددا في المجتمع » « 2 » . إن الرحلة لشبيهة بنوع من « الحياة المصغرة ، ذات البداية المشرقة ، ثم وسطها ، فنهايتها . . . المطبوعة بطقوس تزج بنا زجا وبلا رجعة نحو العدم » « 3 » . ويبدو من خلال رحلة محمد الصفار ، أن الابتعاد عما هو مألوف ، والانتقال إلى حالة ذات مستوى شعوري وفكري أسمى ، أمر واضح لا غبار عليه . وعلى الرغم من كون العالم المغربي بعيدا تماما عن كونه من الوجوه البطولية المغامرة ، فقد كان مع ذلك مقبلا على خوض تجربة مثيرة . ويمكننا من خلال تعابيره معاينة مدى تأثره العميق ، إذ لم يتمالك نفسه حينما أشرف على مغادرة تطوان فجادت قريحته بالبيتين التاليين : أتطواننا الغراء هل يسعد الدهر * بأوبتنا كيما يعود لنا الوصل ؟
--> ( 1 ) Graburn , " Tourism " , pp . 24 - 25 . ( 2 ) Fussell , Abroad , p . 208 . ( 3 ) Graburn , " Tourism " , p . 26 .